بيت الأرواح : أول روايات إيزابيل الليندي



بعد صدور روايتها "بيت الأرواح" ، التي نُشرت في إسبانيا سنة 1982 كان على إيزابيل الليندي مواجهة جميع أنواع الاتهامات ، من الانتحال الأدبي إلى الاستخدام غير السليم للأحداث السياسية ، و قد ترجمت إلى الإنجليزية سنة 1985. تروي الرواية حياة أربعة أجيال من عائلة شيلية ومشاركتها في الأحداث السياسية المضطربة في سبعينيات القرن الماضي ، وعلى الرغم من أن "بيت الأرواح"  تعتبر روايتها الأولى إلا أنها أصبحت على الفور أكثر الكتب مبيعًا ، فقد فازت بالعديد من الجوائز في تشيلي موطن الكاتبة.
نظرًا لكونها واحدة من أكثر الروايات تمثيلا للواقعية السحرية لأمريكا اللاتينية ، يصف العديد من النقاد "بيت الأرواح" بأنها النسخة النسوية ل "مائة عام من العزلة" لصاحبها غابرييل غارسيا ماركيز. تشتمل كلا الروايتين على الكثير من أوجه التشابه في الأسلوب ، إلى حد أن بعض النقاد يتهمون ألليندي بأنها غير أصلية و أنها منقولة من  الكاتب الكولومبي. ومع ذلك ، هناك العديد ممن يؤكدون أن الليندي تسيطر على نوع  أمريكي لاتيني ، الشيء الذي يعطي رؤية أصيلة و نسوية بامتياز.
الرواية هي حقا عمل خيالي، إلا أن قصص "بيت الأرواح" تشبه إلى حد بعيد العديد من حقائق حياة المؤلفة. في الواقع ، كانت أول مخطوطة من الرواية رسالة موجهة إلى جد الليندي المتوفى. كان والد إيزابيل ابن عم سلفادور الليندي ، أول رئيس اشتراكي لشيلي. بالإضافة إلى ذلك ، تعتبر الانتفاضة السياسية العنيفة التي حدثت في البلد الذي لم تسميه الرواية ، بمثابة فضح للانقلاب العسكري الذي قاده أوغستو بينوشيه ضد الحكومة الاشتراكية لسلفادور أليندي في 11 سبتمبر 1973. (من هنا انطلقت الاتهامات ضدها بالاستخدام غير السليم للأحداث السياسية. كما أن بعض النقاد اتهموها باستخدام إسمها العائلي وتاريخ عائلتها السياسي لبيع المزيد من الكتب.
على الرغم من أنه من غير الصحيح تمامًا اعتبار هذه الرواية إشادة ، فلا شك أن "بيت الأرواح" هو رواية شخصية. من المعروف أن المؤلفة استخدمت أناسًا حقيقيين كنماذج لشخصياتها ؛من ثمة، يظهر النص ملامح جدتها ، وابنها نيكولاس ، وزوجها السابق ميغيل بل وحتى ملامح الكاتبة نفسها.
إن إلقاء نظرة على هذه الرواية " بيت الأرواح" قد تساعدك على التفكير في وضعك (خاصة فيما يتعلق بعلاقات الحب. إن الرفض من جانب الوالدين يصل إلى مستويات غير متوقعة في هذه الرواية. لإعطائك فكرة ، فهي على مستوى آل مونتيسكو و آل كابوليتس .الآن ، سواء كانت والدتك تؤمن بالأجانب وتنظم جلسات روحانية في منزلك كل أسبوع ، أو أن والدك سياسي شهير بمزاج يميل إلى فقد أعصابه ، أو أن عمك المجنون قد خلق دينه بنفسه ، من المحتمل أن تجد شخصيتك مع قصص هذا الكتاب.
"مرة واحدة في الأسبوع ، يوم السبت ، كانوا يجتمعون لتناول العشاء حول طاولة خشب البلوط الكبيرة التي كانت دائمًا في العائلة والتي كانت قبل ذلك في ملك آل دل فالي [...]. وقد كانت الفتاة تراقب الكبار مفتونة ، جدتها متلالئة ، و قد وضعت طاقم الأسنان في هذه المناسبة ، تبعث رسائل متقاطعة إلى زوجها من خلال أطفالها أو خدمها ، خايمي يتباهى بوقاحة ، يتجشؤ بعد كل طبق و يمسح أسنانه بإصبعه الصغير لإزعاج والده ، نيكولاس بعيون ضيقة يمضغ خمسين مرة كل لقمة وبلانكا تتحدث في كل شيء لخلق خيال عشاء عادي. "
و أخيرا نذكر أن الرواية طبعا هي مترجمة إلى العربية 

عبدالناجي آيت الحاج

ألا تسمع نباح الكلاب..؟

لللإستمتاع بالواقعية السحرية


بقلم خوان رولفو ترجمة محمّد محمّد الخطّابي

أنت الذي هناك فوق، إغناثيو، قل لي إذا ما كنت تسمع أيّ شيء، أو إذا ما كنت ترى أيّ ضوء في أيّ مكان،
لا أرى شيئا.
لابدّ أنّنا قد دنونا من القرية
نعم، ولكن لا يسمع أيّ شيء
أنظر جيّدا
لا يرى أيّ شئ
مسكين أنت يا إغناثيو. .
ظلّ الرجلين الأسود والطويل يتحرّك من أعلى إلى أسفل متسلّقا الأحجار، ثمّ صار هذا الظلّ يكبر ويتضاءل بمحاذاة ساحل الجدول، كان ظلاّ واحدا يتمايل ويهتزّ .
كان القمر يخرج مثل جمرة مستديرة.
كان علينا أن نكون قد وصلنا إلى القرية إغناثيو، أنت الذي توجد أذناك في الخارج أنظر جيّدا وإسمع إذا ما كان ينتهي إليك نباح الكلاب، تذكّر أنّهم قالوا لنا أنّ ‘ تونايا’ توجد خلف الجبل بقليل، ونحن منذ ساعات تركنا الجبل بعيدا، تذكّر يا إغناثيو.
نعم ولكنّي لا أرى أثرا لشيء .
-لقد بدأت أتعب .
أنزلني إذن .
تقهقر العجوز قليلا، ولمّا وجد حائطا إتّكأ عليه من غير أن ينزل الحمل الذي كان فوق كتفيه، وعلى الرّغم من أنّ ساقيه كانتا مقوّستين من فرط العياء فإنّه لم يجلس، فهو يعرف جيّدا أنّه بعد ذلك لن يكون في مقدوره النهوض من جديد وجسم إبنه على ظهره بعد أن ساعدوه على وضعه عليه منذ ساعات مضت .
كيف أنت الآن ؟
في حالة غير جيّدة .
كان قليل الحديث، وفي كل مرّة كان حديثه يقلّ أكثر، وفي بعض الأحايين كان يبدو كما لو كان نائما، وفي أحيان أخرى كان يبدو كما لو كان يشعر ببرد شديد، كان يرتعش، يعرف ذلك عندما يمسك به إبنه حيث كانت رجلاه تهتزّان كأنّهما داخل مهماز وكانت يدا الإبن موثوقتين بقوّة إلى عنق أبيه وكان رأسه يتأرجح كما لو كان صنجا أو جلجلا.
كان الرجل يشدّ على أسنانه حتّى لا يعضّ لسانه، وعندما ينتهي من ذلك كان يسأل إبنه :
-أما زالت الآلام تبرح بك ؟
فيجيب الإبن :
بعض الشيء .
في البداية قال له ضعني عنك، أتركني هنا واذهب أنت لوحدك، سوف ألحق بك غدا، أو عندما أخفّ قليلا، قال له هذا حوالى خمسين مرّة، والآن لم يعد يقوى على قول أيّ شيء .
هناك كان القمر قد إستوى أمامهما كبيرا مستديرا يميل إلى الحمرة، كان يملأ عيونهما شعاعا، ويجعل ظلّيهما يبدو أطول من المعتاد على أديم الأرض .
قال :
لم أعد أعرف إلى أين أنا ذاهب .
ولم تأته الإجابة من أحد، الآخر، إبنه كان هناك على ظهره يستمتع هو الآخر بضوء القمر بوجهه الشاحب، كان يشعّ منه ضوء ‘خافت’ كئيب وهو هنا في الأسفل.
أتسمعني يا إغناثيو ؟ إنّني لا أرى أيّ شيء .
وكان الآخر يستغرق في صمت رهيب. إستمرّ في المسير وهو يتعثّر في خطواته، يحاول تثبيت جسمه إلا أنّه سرعان ما يعود إلى التعثّر من جديد .
أعتقد انّنا قد ضللنا الطريق، قالوا لنا أنّ قرية طوناية توجد وراء التلّ، ولقد إجتزنا الهضبة وطوناية لا ترى للعيان كما أنّه لا يسمع أيّ ضجيج يدلّ على قربها منّا .
لماذا لا تقل ماذا ترى أنت هناك فوق يا إغناثيو
قال الولد : – أنزلني يا أبتي
أما زلت تشعر بالألم ؟
نعم
سأذهب بك إلى طوناية مهما كانت الظروف، وهناك سأجد من يعتني بك ويرعاك، يقولون أنّ بها طبيبا سأذهب بك عنده، جئت بك محمولا منذ ساعات ولن أتركك مجندلا هنا ليقضي عليك أيّ كان. تمايل قليلا ثم تقدّم خطوتين او ثلاث خطوات على جنب، ثم عاد فاستقام، فثبت في مكانه من جديد .
سأحملك إلى طوناية
أنزلني
أصبح صوته خافتا أشبه بالهمس .
أريد أن أنام قليلا .
نم هناك في أعلى فإنّني أمسك بك بقوّة .
كان القمر يزداد صعودا ويكاد يتوسّط كبد سماء صافية، يكاد لونه يميل إلى الزرقة . إمتلأ وجه الأب المبلّل بالعرق ضوءا، أخفى عينيه حتّى لا يرى أمامه، إذ لم يكن في مقدوره أن يحني برأسه المشدود بقوّة بين يدي إبنه .
كل ما أقوم به نحوك ليس إرضاء لخاطرك، بل إنّني أفعل ذلك من أجل المرحومة أمّك، لأنك كنت إبنها لهذا أفعل ما أفعل، فهي لن يروقها أن أتركك مهجورا هناك حيث وجدتك وألاّ أحملك وأذهب بك لتعالج كما أفعل الآن، هي التي تشّجعني على ذلك ولست أنا، منذ البداية لم أجد معك سوى المشاكل والعذابات، لقد شعرت بالخجل غير ما مرّة بسببك .
كان العرق يتصبّب منه وهو يتحدّث، إلاّ أنّ ريح الليل كانت تجفّف عرقه، وعلى العرق الجاف يعود ليعرق من جديد .
سأكلّ، سأتعب ولكنني لابدّ لي أن أصل بك إلى طوناية حتّى يخفّفوا عنك الجراح التي ألحقوها بك، وإنني على يقين انّك عندما ستشعر بتحسّن ستعود إلى سيرتك المارقة الاولى، ذلك لم يعد يهمّني مهما ذهبت بعيدا حيث لا أعلم عنك شيئاعلى الرغم من ذلك فأنت بالنسبة لي لم تعد إبني، لقد لعنت الدم الذي يجري في عروقك منّي،فالقسط الذي يعود منه لي قد لعنته، إنني أقول ‘ فليتعفّن في كليتيك ذلك الدم الذي منحتك إيّاه’ لقد قلت هذا منذ طفقت تسلك تلك السبل العوجاء الملتوية، تعيش على السّرقة وقتل الناس..الناس الطيّبين، وإلاّ فهناك وصيّك ترانكيلينو الذي أشرف على طقوس عمادك، والذي أختار لك الإسم الذي تحمله اليوم، لقد حالفه سوء الطالع هو الآخر بلقائه بك منذ ذلك الإبّان، قلت حينها هذا لا يمكن أن يكون إبني .
أنظر إذا ما كان يتراءى لك شيء، أو إذا كنت تسمع شيئا أنت الذي توجد هناك فوق، فأنا هنا أشعر وكاّنني قد أصبت بالصّمم .
لا أرى شيئا
من سوء حظك يا إغناثيو .
أشعر بالعطش
أصبر، لابدّ أننا قد دنونا من القرية، فالظلام الدامس قد أطبق، ولابدّ أنّهم قد أطفأوا الأنوار.ولكن كان عليك على الأقل أن تسمع إذا ما كانت الكلاب تنبح، أرهف السّمع .
أعطني قليلا من الماء
ليس هنا أيّ ماء ليس هنا سوى الأحجار،عليك أن تصبر، فحتّى لو كان هناك ماء فلن أنزلك لتشرب،فلن أجد أحدا يعينني على حملك مرّة أخرى وأنا وحدي لن أستطيع فعل ذلك .
أشعر بعطش ونوم شديدين .
أتذكر عندما ولدت، هكذا كنت في ذلك الوقت كنت دائما تصحو جائعا لتأكل ثم تعود لتنام، وكانت أمّك تناولك الماء بعد أن تكون قد أتيت على حليبها، لم تكن تشبع أبدا، كنت عصبيّ المزاج، ولم يخطر ببالي قط أنّ حنقك وغضبك سيصعدان إلى رأسك…ولكن هذا ما حدث، أمّك رحمها الله كانت تأمل أن تنمو قويّا صلب العود، كانت تعتقد أنك ستكون خير معين لها فلم يكن لديها سواك، أخوك الذي كان سيولد بعدك قتلها، وأنت كنت ستقتلها مرّة أخرى لو كانت لمّا تزل على قيد الحياة الآن .
شعر أن ّ الرجل الذي كان يحمل على كتفيه لم يعد يشدّ على ركبتيه، وبدأ يرخي قدميه اللتين أصبحتا تتأرجحان متدلّيتين على جانبي جسمه وخيّل إليه أنّ رأسه هناك في أعلى قد بدأ يهتزّ ويتشنّج، وعلى شعره أحسّ وكأنّ قطرات سميكة كالدموع تملأه .
أتبك يا إغناثيو ؟ هل تبكيك ذكرى أمّك أليس كذلك ؟ ولكنك لم تفعل قط شيئا من أجلها، لقد جازيتنا دائما بالسّوء يبدو أنه بدل الرقّة فقد ملأنا جسمك بالشرّ، وها أنت ترى الآن، ها قد جرحوك، ماذا حدث مع أصدقائك ؟ هل قتلوهم جميعا، فهم ليس لديهم أحد، كان بإمكانهم أن يقولوا ليس لدينا من نمنحه أسفنا، أمّا انت يا إغناثيو ؟
أخيرا ها هي ذي القرية. رأى سطوحها تشعّ تحت ضوء القمر، شعر أنّ ثقل إبنه ينهكه ويهدّه عندما أحسّ أنّ مرفقيه يتقوّسان عند آخر مجهود يبذله، وعندما وصل إلى أوّل جدار إتّكا عليه، كان جدار الرصيف وأرخى الجسم المنهوك، شعر وكانّه يفصل عنه فصلا . فكّ بصعوبة أصابع إبنه التي ظلت تضغط بقوّة على عنقه طوال هذه المدّة، وعندما تحرّر منه سمع نباح الكلاب يتناهى إليه من كل اتجاه .
وأنت ألم تكن تسمعها يا إغناثيو؟ – قال الرجل لم تسعفني حتّى بهذا الأمل..!

استمرارية الحدائق: خوليو كورتاثر





بقلمٍ خوليو كورتاثر ترجمة سماح جعفر


كان قد بدأ قراءة الرواية منذ بضعة أيام. ووضعها جانبًا بسبب بعض الأعمال الطارئة، فتحها مرة أخرى وهو عائد إلى منزله بالقطار؛ سمح لنفسه باهتمام بطيء ومتزايد بالحبكة وبرسم الشخصيات. تلك الظهيرة، بعد أن كتب رسالة إلى وكيله وناقش مع مدير بنايته مسألة الملكية المشتركة، عاد إلى الكتاب في هدوء وهو يتأمل الحديقة وأشجار السنديان في الخارج. متمددًا على كرسيه المفضل، وظهره إلى الباب، في حالة أخرى كان هذا سيزعجه باعتباره احتمالية مزعجة للتطفل، ترك يده اليسرى تداعب مرة ثم أخرى التنجيد المخملي الأخضر، ثم استهل قراءة الفصول الأخيرة. دون جهد احتفظت ذاكرته بأسماء وصور أطراف النزاع؛ سيطر الوهم عليه دفعة واحدة تقريبًا. ذاق طعم المتعة الضارة في تحرير نفسه سطرًا سطرًا عن كل ما يحيط به، وشعر في نفس الوقت أن رأسه كان مسترخيًا بشكل مريح على المخمل الأخضر للكرسي ذو المسند العالي، لأن السجائر ما زالت في متناول يده، ووراء النوافذ الكبيرة يرقص هواء الظهيرة  في الحديقة تحت أشجار السنديان. كلمة بكلمة، انغمس في المعضلة الدنيئة للبطل والبطلة، تاركًا نفسه يتجه حيث تتجمع الصور وتأخذ اللون والحركة، كان يشاهد الصدام الأخير في المقصورة الجبلية. المرأة وصلت أولًا، قلقة؛ الآن جاء المحبوب، جرح وجهه بحافة غصن. بشكل رائع أوقفت نزف الدم بقبلتها، لكنه صد مداعباتها، فهو لم يأت ليعيد احتفالات شغف غامض، محمي بعالم من أوراق الشجر الجافة والطرق السرية عبر الغابة.
الخنجر دفأ نفسه قبالة صدره، وفي الأسفل، حرية مقيدة مستعدة للانطلاق. حوار توق شهواني انطلق في الصفحات مثل غدير من الثعابين، يحس المرء وكأنه مقرر منذ الأبد.
حتى تلك المداعبات التي تتلوي حول أجساد المحبين، رغبت أيضًا في إبقاءه هناك، لتثنيه عن ذلك، ترسم بشكل حقير هيئة الجسد الأخر الذي كان من الضروري تدميره. لا شيء منسي: الذرائع، المخاطر غير المتوقعة، الأخطاء المحتملة، منذ هذه الساعة، كل لحظة لها استخدامها المقرر بدقة. الدماء الباردة، ومضاعفة إعادة النظر في التفاصيل بالكاد قاطعت اليد في مداعبتها للخد، بدأ الظلام يحل.
دون النظر إلى بعضهم الآن، ركزوا بصلابة على المهمة التي تنتظرهم، افترقا عند باب المقصورة. كان يجب عليها أن تتبع القطار الذاهب للشمال. على الطريق المؤدي للاتجاه المعاكس، التفت لحظة ليشاهدها تركض بشعرها الطليق. ركض بدوره، زاحفًا بين الأشجار والأسيجة حتى يتمكن من التمييز في الضباب المصفر للغسق، جادة الأشجار المؤدية إلى المنزل. لا يجب على الكلاب أن تنبح، ولم تنبح. مدير البناية لن يكون هنا في هذه الساعة، ولم يكن. صعد درجات الرواق الثلاثة ودخل. خلال الدم المتسارع في أذنيه أتت كلمة المرأة: أولًا صالون أزرق، ثم رواق، ثم درج عليه سجاد. في الجزء العلوي، بابان. لا أحد في الغرفة الأولى، ولا أحد في الثانية. باب الصالون، ثم الخنجر في يده، الضوء من النافذة الكبيرة، المسند العالي لكرسي مكسو بمخمل أخضر، رأس الرجل على الكرسي يقرأ رواية.

المرجع :  الحركات

أجمل غريق في العالم : غابرييل جارسيا ماركيز



 للإستمتاع بالواقعية السحرية


بقلم غابرييل جارسيا ماركيز ترجمة د. محمد قصيبات

ظنّه الأطفال لمّا رأوه ، أول مرة ، أنه سفينة من سفن الأعداء. كان مثلَ رعنٍ أسود في البحرِ يقترب منهم شيئا فشيئا. لاحظ الصبيةُ أنه لا يحمل راية ولا صاريًا فظنوا حينئذٍ أنه حوتٌ كبير، ولكن حين وصل إلى ترابِ الشاطيء وحوّلوا عنه طحالبَ السرجسِ و أليافَ المدوز و الأسماكَ التّي كانت تغطيهِ تبيّن لهم أنّه غريق.
شرعَ الصبيةُ يلعبون بتلك الجثة يوارونها في الترابِ حينًا ويخرجونها حينًا حتّى إذا مرّ عليهم رجلٌ ورأى ما يفعلون نَهَرهم وسعى إلي القريةِ ينبه أهلها بما حدث.
أحسّ الرجالُ الذين حملوا الميّتَ إلى أول بيتٍ في القرية أنه أثقل من الموتى الآخرين ، أحسّوا كأنهم يحملون جثّةَ حصانٍ وقالوا في ذات أنفسهم :
ربما نتج ذلك عن بقاء الغريق فترة طويلة تحت البحرِ فدخل الماءُ حتى نخاع عظامه.”
عندما طرح الرجالُ الجثةَ على الأرضِ وجدوا أنّها أطولُ من قامة كلّ الرجال ، كان رأس الميتِ ملتصقًا بجدار الغرفة فيما اقتربت قدماه من الجدارِ المقابلِ ، وتساءل أحد الرجال عمّا لو كان ذلك ناتجًا عن أن بعض الغرقى تطول قاماتُهم بعد الموت.
كان الميتُ يحمل رائحةَ البحر ، وكانت تغطيه طبقةٌ من الطين و الأسماك. لم يكن من الضرورة تنظيف الوجه ليعرف الرجال أن الغريق ليس من قريتِهم ، فقريتهم صغيرة لا تحوي سوى عشرين من البيوت الخشبية الصغيرة ، و كانت القرية نادرةَ التربة مما جعل النسوة يخشين أن تحمل الريحُ الأطفال ومنع ذلك الرجالَ من زرع ِ الأزهار ، أمّا الموتى فكانوا نادرين لم يجد لهم الأحياءُ مكانًا لدفنهم فكانوا يلقون بهم من أعلى الجرف.كان بحرُهم لطيفًا ، هادئًا و كريمًا يأكلون منه. لم يكن رجالُ القرية بكثيرين حيث كانت القوارب السبعةُ التي في حوزتهم تكفي لحملهم جميعًا ، لذلك كفى أن ينظروا إلى أنفسهم ليعلموا أنه لا ينقص منهم أحد..
في مساءِ ذلك اليوم لم يخرج الرجال للصيدِ في البحر. ذهبوا جميعًا يبحثون في القرى القريبة عن المفقودين فيما بقتِ النسوة في القريةِ للعناية بالغريق …أخذن يمسحن الوحلَ عن جسده بالألياف ويمسحن عن شعره الطحالب البحرية ويقشّرن ما لصق بجلده بالسكاكين..
لاحظت النسوة أن الطحالب التي كانت تغطي الجثة تنتمي إلي فصيلة تعيش في أعماقِ المحيطِ البعيدة ، كانت ملابسه ممزقة وكأنه كان يسبح في متاهةٍ من المرجان. ولاحظت النسوة أيضا أن الغريقَ كان قد قابل مَلَكي الموتِ في فخرٍ و اعتزاز فوجهه لا يحمل وحشةَ غرقى البحرِ ولا بؤس غرقى الأنهار. وعندما انتهت النسوة من تنظيف الميّت وإعداده انقطعت أنفاسهن ، فهن لم يرين من قبل رجلاً في مثل هذا الجمال و الهيبة..
لم تجد نساء القرية للجثة، بسبب الطولِ المفرطِ ، سريرًا ولا طاولة قادرة على حملها أثناء الليل. لم تدخل رِجْلا الميتِ في أكبرِ السراويل و لا جسدُه في أكبرِ القمصان ، ولم تجد النسوة للميّت حذاءً يغطي قدميه بعد أن جربوا أكبر الأحذية.
فقدت النسوة ألبابَهن أمام هذا الجسدِ الهائلِ فشرعن في تفصيل سروالا من قماشِ الأشرعة و كذلك قميصًا من “الأورغندي” الشفاف فذلك يليق بميّتٍ في مثل هذه الهيبة و الجمال..
جلست النسوة حول الغريق في شكلِ دائرةٍ بين أصابع كل واحدةٍ منهن إبرة وأخذت في خياطة الملابس ، كن ينظرن بإعجاب إلى الجثة بين الحين و الحين؛ بدا لهن أنه لم يسبق للريح ِ أن عصفت في مثل هذه الشدة من قبل ولا لبحر “الكاراييب” أن كان مضطربًا مثل ذلك المساء. قالت إحداهن ” أن لذلك علاقة بالميّت” ، وقالت أخرى ” لو عاش هذا الرجل في قريتنا لاشك أنه بنى أكبر البيوت وأكثرهن متانة ، لاشك أنه بنى بيتًا بأبواب واسعة وسقفٍ عالٍ وأرضيةٍ صلبة ولاشك أنه صنع لنفسه سريرًا من الحديد و الفولاذ ، لو كان صيادًا فلاشك أنه يكفيه أن ينادى الأسماك بأسمائها لتأتى إليه. ، لاشك أنه عمل بقوة لحفر بئرٍ ولأخرج من الصخور ماءً ولنجح في إنبات الزهر على الأجراف”..
أخذت كل واحدة منهن تقارنه بزوجها ، كان ذلك فرصة ثمينة للشكوى والقول أن أزواجهن من أكبر المساكين..
دخلت النسوة في متاهات الخيال.
قالت أكبرهن:” للميّت وجه أحد يمكن أن يسمّى إستبان”. كان هذا صحيحًا..كفي للأخريات أن ينظرن إليه لفهم أنه لا يمكن أن يحمل اسمًا آخر ، أمّا الأكثر عنادًا والأكثر شبابا فقد واصلت أوهامها بأن غريقًا ممدّدًا بجانب الأزهار وذا حذاء لامع لايمكن إلا أن يحمل اسمًا رومنطقيًا مثل “لوتارو”.
في الواقع ما قالته أكبرهن كان صحيحًا فلقد كان شكل الميت بلباسه مزريًا حيث كان السروال غير جيد التفصيل فظهر قصيرًا و ضيقًا ، حيث لم تحسن النسوة القياس وكانت الأزرار قد تقطعت وكأن قلب الميت قد عاد للخفقان بقوة..
بعد منتصف الليل هدأت الريحُ ، وسكت البحرُ ، وساد الصمتُ كل شيء . أتفقت النسوة عندها أن الغريق قد يحمل بالفعل اسم إستبان ، ولم تسُدْ الحسرة أية واحدة منهن: اللاتي ألبسن الميّتَ واللاتي سرحن شعره واللاتي قطعن أظافره وغسلن لحيته. لم تشعر واحدة منهن بالندم عندما تركن الجثة ممدّدة على الأرض ، وعندما ذهبت كل واحدة إلى بيتها فكرن كم كان الغريق مسكينًا وكم ظلت مشكلات كبر حجمه تطارده حتى بعد الموت ، لاشك أنه كان ينحني في كل مرة يدخل فيها عبر الأبواب .. لاشك أنه كان يبقي واقفا عند كل زيارة ، هكذا كالغبي، قبل أن تجد ربة البيت له كرسيا يتحمله…ولاشك أن ربةَ البيتِ كانت تتضرع للربّ في كل مرة ألا يتهشم الكرسي. وكان في كل مرة يرد عليها إستبان في ابتسامةٍ تعكس شعوره بالرضا لبقائه واقفا ..لاشك أنه ملّ من تكرر مثل هذه الأحداث ، ولاشك أيضا أن الناس كانوا يقولون له “ابق وأشرب القهوة معنا” ثم بعد أن يذهب معتذرا يتهامسون: “حمدا لله لقد ذهب هذا الأبله”.
هذا ما فكرت فيه النسوة فيما بعد عطفًا على الغريق..
في الفجر، غطت النسوة وجه الميّت خوفًا عليه من أشعة الشمسِ عندما رأين الضعف على وجهه. لقد رأين الغريق ضعيفًا مثل أزواجهن فسقطت أدمع من أعينهن رأفة ورحمة ، وشرعت أصغرهن في النواح فزاد الإحساس بأن الغريق يشبه إستبان أكثر فأكثر..
وزاد البكاء حتى أصبح الغريق أكبر المساكين على وجه الأرض..
عندما عاد الرجال بعد أن تأكدوا من أن الغريق ليس من القرى المجاورة امتزجت السعادة بالدموع على وجوه النسوة.
قالت النسوة: “الحمد لله ، ليس الميت من القرى المجاورة إذا فهو لنا!”..
أعتقد الرجال أن ذلك مجرد رياء من طرف النسوة ، لقد أنهكهم التعب وكان كل همّهم هو التخلص من هذا الدخيل قبل أن تقسو الشمس وقبل أن تشعل الريح نارها. أعدّ الرجال نقالة من بقايا شراع وبعض الأعشاب التي كانوا قد ثبّتوها بألياف البحر لتتحمّل ثقل الغريق حتى الجرف وأرادوا أن يلفّوا حول رِجلي الجثّة مرساة لتنزل دون عائق إلى الأعماق حيث الأسماك العمياء وحيث يموت الغواصون بالنشوة ، لفوا المرساة حتى لا تتمكن التيارات الضالة من العودة به إلى سطح البحر مثلما حدث مع بعض الموتى الآخرين. ولكن كلّما تعجّل الرجال فيما يبغون كلّما وجدت النسوة وسيلة لضياع الوقت حيث تكاثر الزحام حول الجثة ؛ بعض من النسوة يحاول أن يلبس الميّت “الكتفيّة” حول كتفه اليمين لجلب الحظ حاول بعضٌ آخر أن يضع بوصلة حول رسغه الأيسر، وبعد صراع لغويّ وجسديّ رهيب بين النسوة شرع الرجال ينهرون ويصرخون :” مالهذه الوشايات والفوضى، ماذا تعلقن؟ ألا تعلمن أن أسماك القرش تنتظر الجثّة بفارغ الصبر؟ ما هذه الفوضى، أليس هذا إلا جثّة؟”..
بعدها رفعت امرأة الغطاء عن وجه الميّت فانقطعت أنفاس الرجال دهشة: “إنه إستبان!” لا داعي لتكرار ذلك لقد تعرفوا عليه. من يكون غيره، هل يظن أحد أن الغريق يمكن أن يكون السير والتر روليك على سبيل المثال؟ لو كان ذلك ممكنا فلاشك أنهم سيتخيلون لكنته الأمريكية وسيتخيلون ببغاء فوق كتفه وبندقية قديمة بين يديه يطلق بها النار على أكلة البشر..
لكن الجثة التي أمامهم غير ذلك، إنها من نوع فريد!
إنه إستبان يمتد أمامهم مثل سمكةِ السردين حافي القدمين مرتديًا سروال طفلٍ رضيع ، ثم هذه الأظافر التي لا تُقطع إلا بسكين. بدا الخجل على وجه الغريق ، ما ذنبه المسكين إذا كان طويلاً وثقيلاً وعلى هذا القدر من الجمال؟ لاشك أنه اختار مكانًا آخر للغرق لو عرف ما كان في انتظاره. قال أحد الرجال: “لو كنت محله لربطت عنقي بمرساة قبل أن اقفز من الجرف.. لا شك أنني سأكون قد خلصتكم من كل هذه المتاعب ومن جثتي المزعجة هذه.”
أعد سكان القرية أكبر جنازة يمكن تخيلها لغريقٍ دون هوية. رجعت بعض النسوة اللاتي كن قد ذهبن لإحضار الزهور من القرى المجاورة برفقة أخريات للتأكد من صحة ما سمعن.
عندما تأكدت نساء القرى المجاورة من شكل الغريق ذهبن لإحضار زهور أخرى ورفيقات أخريات حتى ازدحم المكان بالزهور وبالنساء..
في اللحظات الأخيرة تألّم سكانُ القرية من إرسال الغريق إلي البحر مثل اليتيم فاختاروا له أمًا وأبًا من بين خيرتهم وسرعان ما أعلن آخرون أنهم أخوته وآخرون أنهم أعمامه حتى تحول كل سكّان القرية إلى أقارب، وبينما كان الناس يتنافسون في نقل الجثمان فوق أكتافهم عبر المنحدر العسير المؤدّي إلى الجرف لاحظ سكان القرية ضيق شوارعهم وجفاف أرضهم ودناءة أفكارهم مقارنة بجمالِ هذا الغريق.
ألقى الرجال بالجثة عبر الجرف دون مرساة لكي تعود إليهم كيفما تشاء ومسكوا أنفاسهم في تلك اللحظة التي نزل فيها الميت إلى الأعماق ، أحسوا أنهم فقدوا أحد سكّان قريتهم وعرفوا، منذ تلك اللحظة، أن ثمة أشياء كثيرة لابد أن تتغير في قريتهم..
عرفوا أن بيوتهم تحتاج إلى أبواب عالية وأسقف أكثر صلابة ليتمكن شبح إستبان من التجول في القرية ومن دخول بيوتها دون أن تضرب جبهته أعمدة السقف ودون أن يوشوش أحد قائلاً لقد مات الأبله..
منذ ذلك اليوم قرر سكّان القرية دهن بيوتهم بألوان زاهية احترامًا لذكرى إستبان.. سوف ينهكون ظهورهم في حفر الآبار في الصخور وفي زرع الأزهار عبر الأجراف لكي يستيقظ بحارةُ السفنِ المارةِ في فجرِ السنواتِ القادمةِ علي رائحةِ الحدائق ولكي يضطر القبطان للنزول من أعلى السفينةِ حاملاً اسطرلابه ونجمتَه القطبية و يقول مشيرًا إلي الجبلِ الذي ينشر زهورَه الورديةَ نحو الأفق وفي كلّ لغاتِ العالم:
أنظروا إلى هناك حيث هدوء الريح ِ وحيث ضوء الشمس.
هناك هي قرية إستبان!”.


مضطهد : قصة ماريو بينيديتي



ماريو بينيديتي

كما في العديد من كوابيسه ، بدأ بالفرار مرعوبا. أحذية مطارديه يعلو وقعها   على الأوراق الجافة. كانت الخطوات العظيمة  تقترب بوتيرة جانة  ومجنونة.
حتى وقت ليس ببعيد ، كلما دخل في كابوس ، كان يجد خلاصه  في الاستيقاظ ، ولكن على هذا المستوى كان المطاردون قد تنبهوا لتلك الإستراتيجية  ولم تعد تنطلي عليهم المفاجئة .
ومع ذلك ، هذه المرة فاجأهم مرة أخرى. تماما في اللحظة التي اعتقدت فيها كلاب الصيد أنه سيستيقظ ، كان ببساطة يحلم أنه نائم.

ترجمة عبدالناجي آيت الحاج





قصص للكاتب الإرغوياني ماريو بينيديتي
قصة : رجال المطافئ
قصة : لم يكن حبهما سهلا
قصة : لي الشرف

وفاة "ملكة التشويق" ماري هيغنز كلارك



 

توفيت الكاتبة الأمريكية ماري هيغنز كلارك ، المعروفة باسم "ملكة التشويق"  الليلة الماضية ، في 31 يناير ، عن عمر يناهز 92 عامًا ، محاطة بعائلتها وأصدقاءها ، كما أعلنت ناشرتها سيمون وشوستر.
 كانت ماري هيغنز كلارك التي ولدت في نيويورك سنة 1927 مؤلفة كتب ناجحة مهمة في المجال الأنجلوسكسوني مثل رواية "أين هم الأطفال؟" - التي تم بيع أكثر من أربعة ملايين نسخة منها - أو "تذكرني" - بأكثر من مليوني نسخة. . كما تم تكييف بعض أعمالها للسينما والتلفزيون.
مؤلفة غزيرة الإنتاج في الرواية البوليسية ، المشوقة والغامضة ، كل رواياتها أصبحت من أكثر الكتب مبيعًا في الولايات المتحدة وفي العديد من الدول الأوروبية.
منذ نجاحها الأول في جميع أنحاء العالم ، "أين هم الأطفال؟" أصبحت واحدة من معايير كتابة التشويق. كما كتبت عدة مجموعات من القصص ورواية تاريخية وكتابين للشباب.
استحق أعمالها أرفع الجوائز و التقديرات الوطنية والدولية في هذا النوع.
أحدث كتبها المنشورة باللغة الإسبانية هي "لا تبكي من أجل قبلة"  و "الرقصة الأخيرة" ، و "أكاذيب الدم" ، و "أنا أعلم أنك ستعود" و "السنوات الضائعة".

عبدالناجي آيت الحاج


الشاب و الزوجات الثلاث




(مازاهوا ، ولاية المكسيك ، العنوان الأصلي هو الشاب والشقيقات الثلاث التي أراد الزواج بهن )
في بلدة على ساحل المكسيك عاش شاب كان قد فقد والديه في سن مبكرة. بعد وفاة أحبائه ، ورث الصبي الأملاك العائلية ، وهو أسطول صيد مهم.
بعد مرور السنين ، أصبح الشاب ماهرا جدًا في كل ما يتعلق بالصيد ، بدءًا من إصلاح الشباك إلى إعداد السمك بعد الصيد. كان يعرف كيف يقوم بكل شيء بشكل مثالي ومرتب.
في ذلك الوقت التقى الشاب ثلاث أخوات ، كلهن جميلات للغاية ، وبدأ سرا يغازل كل واحدة على حدة. بدأ الأمر كلعبة لكنه انتهى بشيء خطير للغاية ، لأن قلبه وقع في حب الشابات الثلاث في نفس الوقت.
وكانت الشابات هن بنات صاحب أهم تاجر سمك في المدينة ، وهو المشتري الرئيسي للأسماك التي يقوم أسطول الصيد الشاب بصيدها. كان ذلك صدفة كبيرة جدا.
بعد عامين من المغازلات و التعارف ، قرر الشاب التقدم إلى صاحب متجر السمك وطلب يد البنت الكبرى. عند القيام بذلك ، أخبره رجل الأعمال:

"حسنًا ، لديك موافقتي بالزواج منها ، لكن يجب أن أستمع إلى وجهة نظرها ".
عندما أكمل حديثه ، وصلت البنت الكبرى ، وظهرت الفتاتان الأخريان خلفها. شعر الشاب بالحزن الشديد إذ أدرك أنه وقع في حب الثالث في نفس الوقت وأن عزمه الزواج من واحدة هو هراء.
فقال الشاب "عفوا سيدي ، لقد كنت مخطئاً ، لا أريد الزواج بالكبرى بالشابات الثلاث".
- ماذا تطلبه الآن هو أكثر تعقيدًا ، ما الذي يضمن لي أنك ستتمكن من مواصلة العيش معهن ؟ ما هو أكثر من ذلك ... هل سيوافقن؟
هزت الفتيات رؤوسهن ،من دهشته، بالموافقة بدون أن ينبسن بكلمة.
قال الأب ، وهو يرى موقف البنات ،:
-         حسنًا ، يبدو أنهن موافقات. قال رجل الأعمال: "لكنني أحتاج أن تبين لي أنك ماهر بشكل شمولي في فن الصيد ، إذ من المهم أن أتأكد أن بناتي لن يحتجن لشيء".
كان يكفي يقول ذلك ،ليدعو الشاب والد حبيباته لرؤيته يعمل في يوم عادي في أسطول الصيد. كانت جهود الرجل لا تصدق ، وأظهر مهاراته المتقنة في كل عمل. في نهاية اليوم و بعد مرور كل مراحل العمل ، كانت الفتيات متحمسين للغاية ، قال الأب للشاب:
"لقد أظهرت لي أنه شاب قادر ، ولكن لا يزال يتعين عليه أن تظهر لي أنك ستقدر كل بنت من بناتي على قدم المساواة". أحتاجك أن تذهب لصيد ثلاثمائة محارة، و الآن.
أومأ الشاب برأسه وألقى بنفسه في البحر في الحال. كانت الساعة تشير إلى السابعة مساءً. دخل و خرج حوالي عشر مرات من البحر ، وفي كل مرة كان يخرج نحو ثلاثين محارة وجمعها في كومة على الشاطئ.
في الساعة العاشرة ليلًا، كان هناك ثلاثمائة محارة ، بناءً على طلب رجل الأعمال.
قال الشاب "ها هي يا سيدي".
قال الأب: "لقد أحسنت . الآن إقفز فوقها إذا رغبت في الزواج من بناتي". شعرت الشابات بالفزع لسماع ذلك.
بدأ الصبي ، دون تفكير ، في القفز على المحار الحاد. بعد دقيقة كانت هناك جروح بليغة بقدميه ونزيف شديد.
"كفى" قال الأب للشاب. من منكن تريد الزواج من هذا الرجل؟ سأل بناته ، لكنهن مكثن صامتات من الخوف.
لم يفهم الشاب أي شيئاً.
"أنت لا تستحق أن تتزوج من بناتي ، إذ ليس لديك حب لنفسك ، أنت تؤذي نفسك من أجل الحصول على ما تريد ، وهذا لا يظهر أي احترام لك". إذا كنت لا تحترم نفسك ، فلن تحترم بناتي. قال الرجل: "ابتعد ، أنا لا أريدك هنا".
خفض الشاب رأسه وغادر. وفي الوقت نفسه ، بدأت الفتيات يعبرن عن ندمهن، لكن الأب أسكتهن بقوله: "سألتكن إن كنتن ما زلتن تردن الزواج منه ولم تقل أية واحدة منكن شيئا ، والآن لا أريد سماع شكواكن. هيا اذهبن إلى المنزل ".

عبدالناجي آيت الحاج


مختارات من قصص سلاومير مروزيك

حمل نماذج من قصص سلاومير مروزيك مختارات من قصص سلاومير  مروزيك المحتويات ...